انطلقت الطائرة وقلبي يرجف ، أحسست بالهلع وانني لن اتمكن من الوصول إلى ارض خرسان ؟ كان سؤالي الوحيد في تلك اللحظة هل حقا حان الآوان لزيارة السلطان ؟
تراودني اشواقي فأرسم في مخيلتي كيف سيكون اللقاء ؟!  قطعني صوت تلك المرأة المسنة :
هل هي اول زيارة لكِ ؟!
قلت لها : نعم لذا انا مضطربة قليلا
فقالت : لابأس عليك هذه اول علامات العشق !
استوقفتني كلمتها عن العشق ، فاخذت كتاب الزيارة وبدأت أقرأ ، توجهت بقلبي ، و عيني غارقت بالدموع . .

انتهيت من الزيارة و اذا بصوت المضيفة ، تعلمنا اننا قد اقتربنا من ارض مشهد وستبدأ الطائرة بالهبوط فالكل يستعد ، قالت كلمتها هذه و قلبي سقط من عالي السماء إلى جوف الارض ؟ قلبي يخفق كثيراً . . زادت الرهبة بداخلي
تعالت أصوات المسافرين بالصلوات عندما اوشكت الطائرة على الهبوط ، ماهي الا دقائق ونزل المسافرين و نزلت و وقعت عيناي على سماء مشهد ؟ يالروعة السماء ، كانت صافية جداً ومتلبدة بالغيوم ، كأنها تريد ان تمطر وتسقي الارض و القلوب . . تقدمت لاتابع الإجراءات ، كان هناك استقبال حار من الإيرانيين لزوار ، ظننت ان احد العلماء معنا . . تقدمت خطوات
واذا بتلك الموظفة تقدم لي وردة بلون الزهري ، ابتسمت لها قالت كلماتها التي لم افهم منها سوى كلمة مبارك ميلاد امام رضا ؟

أهكذا يستقبلون زوار الرضا بكل عام ام لان ميلاد الرضا قد قرب . . انتهيت من المطار ارسلت حقائبي مع أحد المسافرين الى الفندق ، أحببت ان التقي بمولاي الرضا لا اتحمل الانتظار ، قلت لسائق التاكسي خذني إلى حرم مولاي الرضا ،   اخذت أحدق في شوارع ايران و ضواحيها ، فيها شبه كبير من دمشق السيدة زينب ، عيني شاخصة تنظر يمين و شمالا أين تلك اللوحة التي تشير الى حرم الامام الرضا ، لقد احس بي سائق التاكسي ، وقال : انظري امامكِ
نظرت واذا بقبة مولاي الرضا قد بدأت تظهر ، عيناي بدأت تفرز دموع الشوق . . ولساني اخذ يلهج ياعلي ابن موسى ، وصلت اخيراً للحرم الرضا ،  شعرت بألم مض قد ألم بي ، وثقل في قدمي ؟
أصابتني قشعريرة ، جعلتني اشعر بالرهبة ، خطواتي مثقلة ، و عيني تذرف الدموع ، دموع الشوق مزجتها بقليل من العشق ؟
وقفت لقراءة اذن الدخول ؟ هنا احسست بأنني مطاردة بشأن ذنب ؟ يداي ترتعشان . . لساني لا يكاد ينطق ؟ ترى هل اصبحت خرساء ؟
أمسكت كتاب الزيارة ، فقلت في نفسي يا علي ابن موسى الرضا بحق مولاتي الزهراء اذن لي بالدخول ، فزادت الرهبة بداخلي و شعرت باختناق في انفاسي . انتهيت منه و انا لازلت واقفة مكاني متسمرة  ، لا استطيع السير ، بكيت بكاء شديداً ، فتقدمت و انا مطأطاة الرأس ، عيني تحاول ان تسترق النظر الى تلك القبة حتى وصلت الى البوابة الداخلية ، ازدادت نبضات قلبي ، وعرق جبيني ، التهم الشوق قلبي ، بدأ يجري بدمي و عروقي و يغوص في مساماتي و دب الخوف في روحي ، كل مابي يرتعش من شدة اللقاء وصلت اخيراً لذلك الباب المقابل لضريح ، ثقل في لساني اخرسني و بدأ الشوق يستفز دموعي اكثر ، قبلت الباب شممت منه ريح طيبة ؟

تقدمت للامام و عيني لازالت غارقة بالدموع ، مشهد مهيب ، الكل ينظر لي نظرة استعطاف كأنهم يعلمون بأنني زائرة ، كلما تقدمت اسمعهم يقولون زائرة ، والبعض يسألني الدعاء ؟
حتى فقدت هذا الضجيج لا اسمع الا صوت دقات قلبي التي بدأت تزداد ، أغمضت عيني و وصلت للباب القريب من الضريح ، انحنيت لأقبله ، حينها شعرت بأنني احتاج للصراخ ، لم اعد اتحمل ، بكيت بشدة ، رفعت رأسي وحدقت في الضريح ، اه رائحة طيبة تسري في عروقي ؟ في أعماقي ايضاً ، تقدمت لذلك الشباك لأروي له حكاية أشواقي  ، اصابعي تعلقت بالضريح و تعلقت معها اشواقي ، همست همسة بداخلي يابن موسى ، هنا احسست روحي تطير ، ترفرف ، روحي تصعد لسماء و تحلق عاليا عاليا ؟ بدأت استرسل في الحديث و البكاء في آن واحد ، والهدوء عما المكان ، رائحة الطهر تزداد شيئا فشيئا ، رتلت حروف العشق ، و انحنيت لأسجد واقبل هذا الضريح ؟ رائحة الضريح بدأت تلامس قلبي و روحي ، تشعرني بشيء غريب ؟ شيء من العشق العجيب ؟ احسست بمولاي الرضا وحنان كفيه ؟ كيف يستقبل زواره بطريقة الاحتضان الروحي ؟ ، روحي تحتضن الضريح ، و يدي متعلقه بالشباك ، قرأت الزيارة وقلبي يكاد ينفطر من شدة خفقانه . . لم اكن اريد الرحيل لكنني سمعت باب المراد فذهبت لأنثر بعض حوائجي لعل الله بمولاي الرضا يستجيب لي ،حرارة اللقاء بباب المراد كان ممزوج بحرارة الشوق و التوسل ، انتهيت وعدت للفندق لارتاح قليلاً  ، فالليلة ستكون سعيدة جداً

استيقظت في الساعة السادسة مساءاً بتوقيت مشهد المقدسة ، اغتسلت و اخذت كتاب الزيارة و ذهبت إلى الحرم سيرا عالأقدام ، لم اكن وحدي في هذا الطريق ( طريق الامام الرضا ) كان مليء بالزوار و العشاق ، أصوات الفرح عالية ، ينشدون وهم يسيرون للحرم ، قدموا لي بعض الزهور ، كانت شوراع مشهد مضيئة جداً كأنها مدينة الانوار ؟

لم اكن اريد الإسراع احببت ان يكون لي الكثير من الأجر وانا في طريقي للحرم ، وصلت لنقطة التفتيش ، والكثير من الزائرات محملات بالزهور و بعض الحلويات ، دخلت لصحن الامام الرضا ، فشعرت ببريق الشوق قد لمع في عيني ، كنت هنا صباح اليوم ، كان اللقاء جميل ، نظرت لزوار عيونهم ممتلئة بالسعادة والبعض عيناه أبيضت من شدة البكاء والحنين ، يتبادلون التهاني و أهازيج الفرح قد ملئت الحرم ، الانوار و بعض الزينة المعلقة ، كان نور الحرم اشد نوراً من القمر ؟ اه هذه الليلة ستكون ليلة قمرية مع مولاي الرضا  ، فاهازيج الفرح لاستقبال مولده قد ملئت الحرم ، اجواء جميلة ، الكل بيده وردة يريد ان يعلقها بذلك الضريح ، اقتربت من باب الدخول ، وقلبي يرجف و يدي ترتعش ، اصابني الهلع كما في الصبح لكن حراره هذا اللقاء كان اكثر وطأة من الصباح ؟ دموعي الان هي المتحدث الرسمي عني وعن قلبي ، اقتربت من الضريح وشعرت بشوق و حب عظيم ؟ ها قد عدت لزيارتك مولاي وقلبي يرفرف من شدة السعادة ، بجوارك نسيت ألمي و حزني ، قربك انساني حتى نفسي ، وقفت فترة طويلة بقرب الضريح تارة أحدق فيها و تارة أقبله ، علقت تلك الورود التي بيدي بالضريح ؟ امتلاء الشباك بالورود وفاح عطر الضريح من جديد ؟ وعاد قلبي للحياة مرة أخرى وبدأ ينبض من جديد ، مررت الايام بسرعة ، في كل مرة اشعر انني لتو وصلت للامام الرضا ، في كل مرة تزداد حرارة اللقاء ، ابدأ صباحا بالزيارة مع شروق الشمس وحتى المغيب ؟ و عند الغسق و في منتصف الليل ، ما أجملها من أيام وانا بقربك سيدي ، نفضت عن قلبي ذلك الحزن ، لكن سرعان ماعاد الفراق يطرق أبواب العشق و الحنين ؟ يريدني ان استعد لفراق مولاي قبل ان اشبع من زيارته ؟ اه ياله من لص ، يريد ان يسرق سعادتي و فرحي ؟ يريدني ان أعود والشوق متكدس في طريقي ؟ يريدني ان اترك انيس القلوب و أعود لمدن الأحزان ؟

كم هو قاسي هذا الزمان ، عشت أياماً وليال من العشق ، نفضت عني الحزن و عاد الفراق يدق طبوله ليعلن للعالم انه يحق لي العودة لوطني لانني انتهيت من اداء الزيارة ؟ لا اعلم من سمح لهذا المتطفل يطرق بابي ، الا تشعر بالخجل فانا زائرة مولاي الرضا ، طأطأت رأسي و دخلت لمولاي الرضا ، عيني غارقت بالدموع ، لساني ثقيل ، لا اريد ان اقول لك الوداع مولاي ؟ هل كنت زائرة مقصرة ؟ هل اذنبت ؟ ماله الفراق يستفزني و يريدني ان ارحل مع اشواقي ؟ صرخت دون ان اشعر بالخجل ، مولاي لا اريد الرحيل ، خذني معك اجعلني خادمة لك ، فانت الحياة ؟ كيف لي ان أعود و قلبي ممتلىء بحبك ؟ وعيني التقطت صور للقبة و الضريح ؟ كيف عساني ان انساك و أعود لوطني ؟ اه لهذا الفراق ، كم هو مؤلم وقاسي ، لا يرحم شدة ضعفي و شوقي ؟

استسلمت للبكاء ، ويدي لا تكاد تنفك من الضريح ، متشبث به ، متعلقة روحي به  ، كل الوجود الان يسمع قلبي ، و دقاته و يرى دموعي ، لكن لا احد يقول لي لا تعودي ، كوني بقرب الامام ، الجميع يطالبني بالعودة و الفراق ، لاحد يصبر قلبي المشتاق ماعدا ذلك الضريح ، شعرت انه يقول لي ستعودين لا تخشي الفراق ، مولاك يريدك ان تشتاقين له و تذرفين لأجله بحرا من دموع الشوق ، كلمات اخيرة قلتها و قلبي ينزف من الاشواق ، وداعا سيدي وداعاً إلى اللقاء !