متلهفًا جئتُ أسعى من بعيد، حتى إنني كنت أتعثرّ من دون شعور ببعض الأجساد المتدافعة نحوه!

كنتُ أغذُّ السير رغم الخطر، في طريقي أسمع أصواتًا وضجيجًا افتعله الشوق للآتي. حتى العصافير جائت أسرابًا أسراباً تهجُّ مرحة.

أقدام أقدام تحث الخُطى، الجميع ينشد ذلك الجسر الموعود، قامات مختلفة تأتي من أطراف المدينة.

يقشعر جسدي كلما اقتربتُ! ارتعش من هيبة التفكير بأمنية مصاحفته فضلًا عن معانقته! أمنيات الكلمات التي سألقيها على سمعه تفتعل ضجيجًا في دماغي، وهي تركض بشكل جنوني، لهاثها يتصاعد وهي تمني نفسها بالوصول لأذنه أولًا!

أتذكر بسمته/ نظرته/ رؤيته/ سبحات وجهه/ كلماته/ صلاته/ مناجاته فيباغتني الحنين ويزيدني اندافعًا.

وصلتُ أخيرًا. وقفتُ على أطراف أصابعي، أتلصص النظر هُنا وهناك عَلّني أحظى برؤيته.
وإذا بي أفاجأ بتغيّر الوجوه، لقد خُطفت بسماتهم على حين غرّه، الوجوه الباسمة التي لا أعرفها أصبحت حزينة! الدّموع انهمرت من العيون، صيحات تعالت من هذا وذاك، وأنا أتلفّتُ محتارًا، لستُ أدري. أوقفتُ أحدهم بعد أن رأيته يلقي بوردة كان يحملها أرضًا. ما الذي جرى؟ ألن يأتي الإمام؟ رمقني بحسرة وهو يغصُّ بألمه. بل أتى. حرتُ في أمر هؤلاء، لماذا يتراجعون بعد أن جاؤوا زرافات زرافات بأشواقهم؟ لماذا يذهبون إذا كان قد جاء الإمام كما أخبرني؟! عجبًا أرى!

رحتُ أفرق الرجال بيديّ، أشق صفوفهم، لم أرى إلاََ جنازة كبلها الحديد ملقاة على الأرض، أدرت بوجهي ناحية رجل كان قد جلس ينوح عندها، لا تقل هذا الإمام! رفع ناصيته ودموعه تخضب لحيته ( بل هو والله، هذا إمامنا موسى بن جعفر)!

أذهلني الخبر، كلماته سياط ورّم قلبي، أُقبرت الأماني فيَّ، وجدتني أختنق بغصتي، وجرح موسى ينزف بداخلي، وأنا أغوص في بحر من الآلام، بدت لي بغداد موحشة لا هواء فيها ولا ضوء، السراج الوهاج قد اطفئه الغدر، بغداد غارقة في الحزن، و لا شيء سوى صوت السلاسل والقيود وآهات المحبين المنبثقة بلوعة.

سيحضرون جميعًا. هكذا تصورّت بطريقة منطقية جدًا. فهم جميعهم مشتاقون لمعانقته كما أنا. نعم ستحضر الزهراء عليها السلام في موكب من نور، ليوارى جسد موسى العظيم. الجسد الذي ما فتئ يسجد في تهالك وخضوع لله رب العالمين سيوراى وتختفي ملامحه من الأرض إلى الأبد، آه يا مولاي، آه آه !

الروح التي أنارت أبصارنا قد تحررت من أسار الطين،وأخيرًا الجسد المتورم من السياط سيلتقي بجسد عمته ( زينب) ليحكي لها ظُلامته وتحكي له ظلامتها.

آه واكظماه!