بسم الله الرحمن الرحيم
ربِ اشرح صدري ويسر أمري وأحلل عقدة من لساني يفقهُ قولي .
الجزء الثامن والاخير :
ثم تسجد وتقول : ” اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشّاكِرينَ لَكَ عَلى مُصابِهِمْ اَلْحَمْدُ للهِ عَلى عَظيمِ رَزِيَّتي اَللّـهُمَّ ارْزُقْني شَفاعَةَ الْحُسَيْنِ يَوْمَ الْوُرُودِ وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْق عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَاَصْحابِ الْحُسَيْنِ اَلَّذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ . “
مامعنى السجود ولماذا احتوت زيارة عاشوراء على سجده ؟
السجود هو الخضوع لله تعالى ،قال الله في محكم كتابة : “سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ” ، فهنا عندما نسجد لشكر وحمد الله على تعلقنا وعظم رزيتنا بآل بيت رسول الله فهذه هي السمه التي في وجوهنا ، والحمدلله على ذلك ،ولكن احتواء زيارة عاشوراء على سجدة ! ولماذا زيارة الإمام الحسين عليه السلام بالخصوص؟
هنا نجد رواية عن باقر علم الأولين والآخرين نحاول الاستنتاج منها ،
روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: من زار الحسين بن علي عليهما السلام في يوم عاشوراء من المحرم يظل عنده باكياً لقي الله عز وجل يوم يلقاه بثواب ألفي حجة وألفي عمرة وألفي غزوة، كثواب من حج واعتمر وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع الأئمة الراشدين. قال: قلت جعلت فداك فما لمن كان في بعيد البلاد وأقاصيها ولم يمكنه المسير إليه في ذلك اليوم قال: إذا كان كذلك برز إلى الصحراء أو صعد سطحاً مرتفعاً في داره وأومأ إليه بالسلام واجتهد …….إلى آخره.
مفاتيح الجنان -ص٦٩٤
لا يخفى عليكم أن لزيارة الإمام الحسين عليه السلام لها فضل كبير ومنزلة رفيعة عند العلي الأعلى ، ولكن هنا عندما نزور المولى عن بعد لنفترض وبهذه الزيارة ونصل إلى السجود فلا شك أن هذا موضع استجابة دعاء وأقرب ما يكون العبد إلى الله عزوجل ساجداً كما قال صادق العترة عليه السلام: “أقرب مايكون العبد إلى الله وهو ساجد باكِ” -مفاتيح الجنان -سجدة الشكر- ، وأعظم بكاء نلقى به الله عزوجل هو البكاء على الحسين عليه السلام .
وعندما نتأمل قليلاً بهذا الدعاء السجودي نجد أن  هناك أربعة محاور وهي:
١- اَللّـهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشّاكِرينَ لَكَ عَلى مُصابِهِمْ .
أولاً معنى الحمد هو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله،وأما الشكر فهو الثناء عليه بانعامه ، إذاً الحمد أشمل من الشكر ، الشكر يمكن له أن يكون حمداً ولكن لايمكن العكس ، نستنتج أن الحمد عام وشامل أما الشكر فلشيء محدد ومعين ، وهنا حمد الشاكرين تعنى مدح وثناء العارفين لقدر النعمة ، والنعمة هنا هي المصيبة ! ، مصيبة أهل البيت عليهم السلام ،حقاً هي نعمة عظيمة فلولا الإمام الحسين عليه السلام وفدائه لانتهى الإسلام ! ، إذاً هنا يوجد تحديد للنعمة لذلك نستنتج أن السجدة هي سجدة شكر لله تعالى بناءً على ماذكرنا وكما قال صادق العترة في  عليه السلام سجدة الشكر:
محمد بن الحسن باسناده عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير عن حريز، عن مرازم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سجدة الشكر واجبة على كل مسلم، تتم بها صلاتك، وترضي بها ربك، وتعجب الملائكة منك، وإن العبد إذا صلى ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تبارك وتعالى الحجاب بين العبد وبين الملائكة فيقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي، أدى قربتي وأتم عهدي، ثم سجد لي شكرا على ما أنعمت به عليه، ملائكتي، ماذا له عندي ؟ قال: فتقول الملائكة: يا ربنا رحمتك، ثم يقول الرب تبارك وتعالى: ثم ماذا له؟ فتقول الملائكة: يا ربنا جنتك، فيقول الرب تعالى: ثم ماذا؟ فتقول الملائكة يا ربنا كفاية مهمة، فيقول الرب تعالى: ثم ماذا؟ فلا يبقى شئ من الخير إلا قالته الملائكة، فيقول الله تعالى يا ملائكتي، ثم ماذا؟ فتقول الملائكة يا ربنا لا علم لنا، فيقول الله تعالى: لأشكرنه كما شكرني، وأقبل إليه بفضلي واريه وجهي.
قال الصدوق: من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر وأشرك، ووجهه أنبياؤه ورسله بهم يتوجه العباد إلى الله، والنظر إليهم يوم القيامة ثواب عظيم، يفوق كل ثواب.
وسائل الشيعة جزء٧ -ص ٦
العجيب بالرواية أن “وأقبل إليه بفضلي وأريه وجهي” ! ، و وجه الله هو الإمام الحُسين روحي له الفداء استناداً على
حدثنا أحمد بن محمد عن الحسين عن بعض أصحابنا عن سيف بن عميرة عن ابن المغيرة قال كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجل عن قول الله تعالى كل شئ هالك الا وجهه قال ما يقولون فيه قلت يقولون يهلك كل شئ الا وجه فقال يهلك كل شئ الا وجهه الذي يؤتى منه ونحن وجه الله الذي يؤتى منه.
حدثنا محمد بن الحسين عن موسى بن سعدان عن عبد الله بن القسم عن هارون بن خارجة قال قال لي أبو الحسن عليه السلام نحن المثاني التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن وجه الله نتقلب بين أظهركم فمن عرفنا عرفنا ومن لم يعرفنا فامامه اليقين.
بصائر الدرجات -ص٨٦
# إذاً نستنتج من أول محور أن السجود هنا لحمد الله تبارك وتعالى وسجدة شكر والتوجه إلى الله بوجهه وهو الإمام الحسين روحي له الفداء٠
٢- اَلْحَمْدُ للهِ عَلى عَظيمِ رَزِيَّتي .
وضحنا فيما سبق معنى الحمد ، وهنا يعتبر دعاء بدايةً بحمد الله على عظم رزيتي أي حمد الله على الرزية التي أحلت بي ،أي تأثري بمصائب الإمام الحسين عليه السلام ، وجاء بمضمون الرواية عن صادق العترة روحي له الفداء أن شيعتنا منا أهل البيت يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا ، إذا هنا نحمد الله تعالى أنه جعلنا من شيعة أهل البيت عليهم السلام .
# إذا نستنتج هنا أن السجود لحمد الله تعالى على عظيم رزيتي.
٣- اَللّـهُمَّ ارْزُقْني شَفاعَةَ الْحُسَيْنِ يَوْمَ الْوُرُودِ .
هنا يوجد دعاء أي الطلب من الله عزوجل أن يرزقني شفاعة الإمام الحسين يوم القيامة ، وأيّ شفاعة هيّ ! ،اللهم أرزقنا شفاعة الحسين يوم الورود .
# إذا نستنتج هنا أن السجود للطلب من الله تبارك وتعالى أي الدعاء.
٤-وَثَبِّتْ لي قَدَمَ صِدْق عِنْدَكَ مَعَ الْحُسَيْنِ وَاَصْحابِ الْحُسَيْنِ اَلَّذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ .
ذكرنا سابقاً معنى قدم صدق بتفصيل ،ولكن لا بئس من ذكره باختصار هنا ،فالمقصود بقدم صدق هنا هو الشفاعة ، ولكن كما قلنا سابقاً أن الصدق هنا جاء للتنبيه فهنا يبين الله تعالى* أن الصادقين مع الحسين والذين سيرزقون شفاعة الحسين يوم الورود هم أصحابه الخلص الذين بذلوا مهجهم دونه عليه السلام ، فأصحاب الإمام الحسين عليه السلام هنا هم مثال للصدق وقدوة لنا.
*قلنا الله تعالى لأن زيارة عاشوراء هي حديث قدسي نقله جرائيل عليه السلام واوصله لنا الإمام الباقر روحي له الفداء.
# إذاً نستنتج هنا أن في السجود أيضاً دعاء وهو طلب شفاعة الإمام الحسين عليه السلام من الله عزوجل .
سجدة عاشوراء ليست إلا سجدة عشقٍ يُطبع فيها على جباهنا سمة حميدة حتى نلقى الله عزوجل وسماهنا في وجوهنا ،سجدة عاشوراء ليست إلا سرٌ نجهله ويعلمه علام الغيوب ، سجدة عاشوراء ليست إلا نوراً للمستوحشين في الظلم ،ليست إلا دليلاً للحائرين ، نعم هي سجدة شُرفنا بها على غيرنا ولكن علينا الحفاظ عليها حتى تُكشف لنا الأستار عن أسرارها ،هي سجدة شكر وحمد هي سجدة دعاء هي بصمة في جباهنا ،هي فخرٌ لنا ،هي دمعة صدق على الحبيب نلقى بها المحبوب ،هي توجهنا إلى الله تعالى بوجهه الكريم وهو الحسين بن علي عبد الله وابن أمته عليهم سلام الله أبداً ما بقيّ الليل والنهار.
                                          فتقبل هذا القليل يا أيها العزيز  (٨/٨)  حَــرائِــرْ زَيّــنٓــبْ  ١٨/من ربيع الثاني /١٤٣٥هـ