التدريب الذي أخضعت نفسي له فيما مضى نجح بشكل ما فالأهداف وصلت لها قبل الوقت المُحدد، وكنت دائماً وأبداً، أسعى لتحديد هدف جديد لي بعد وصولي إلى الهدف الذي أريد، وبعدها بدأت بنقل تجاربي للآخرين، وخصوصاً في مجال العمل الشبابي الرسالي، حاولت في بداية الأمر اكتشاف شاب لديه قدرات ورغبات عظيمة لأدفع به إلى الأمام، ففي السابق كانت عملية الاكتشاف رائعة جداً ولكن مع تقدّمي في العمر، بدأت بخسارة مهارة التشخيص لقلة ممارستي لها!، فقدت كل أشكال الاكتشاف، فقد كنت أمتلك قدرة على معرفة القادة منذ صِغرهم، ومعرفة المصممين والمصورين والكتّاب، وغالباً كنت أحاول مساعدتهم بشكل من الأشكال، والآن عندما شاهد بعضهم أشعر بساعدة خفيّة وللأسف هي مؤلمة في ذات الوقت، فبعض الأصدقاء أصبحوا رائعين في مجالاتهم، والبعض عاد إلى نقطة البداية، بل حطّم حتّى نقطة البداية.

تجربتي الأخيرة في التدريب كانت مع مجموعة من الشباب الراغبين بأن يكونوا كتّاباً، قبل الانطلاق رسمت الخطة الملائمة التي تمتد قرابة الثلاث سنين، وهي خطة لرفع المستوى العام لي ولهم، فالكتابة عملية شخصية جداً لا يمكنني التدخل بها، فقط الأمور العقلية أحاول المساعدة بها، كما أنني أؤمن بأن التمارين المختلفة غالباً ما تأتي بنتيجة رائعة، رغم وجود الخطة التي كُنت أؤمن بها، وبقدرتي الخاصة بتطويرها لتلائمني شخصياً وتلائم الشباب الذين رغبوا بخوض تجربة الكتابة معي، ورغم تفاعل الشباب في البداية، إلا أنني كنت أشعر بذلك الشيء، وهو رغبتهم بالشهرة بدل الكتابة! رغبتهم بالتكاسل بدل العمل، رغبتهم في معرفة وصفة سريعة العمل لينطلقوا بعملية الكتابة الشاقّة، ولكن للأسف لا أمتلك وصفة سحرية، ولا أعتقد بوجود مثل هذه الوصفات الخاصّة بتحضير الطعام لا الكتابة، فالأمر هُنا تراكمي مُختلف جداً عن الطبخ، لا نصل إلى مرحلة الكتابة فجأة، بل هُناك تطوّر جميل يسبق العملية، القراءة، التركيز لحظة القراءة، فهم الأساليب المختلفة، الرغبة الحقيقية في الكتابة هيَ ما يثيرني كشخص كان يرغب بتدريب الأصدقاء على الكتابة، في البداية الأمور كانت مُخادعة، البعض تمكن من رسم صورة الشخص الشغوف، ولكنّه بسرعة ما إن خضع لتمارين تحتاج إلى صلابة، هرب إلى مكانٍ ما، وبدأ بإلقاء الحُجج يمنةً ويسرة، وفجأة أصبح يرغب بكتابة موسوعة أو رواية ضخمة!.

الأمر المُحزن في هذه الذكرى، أن المجموعة التي كانت تعتقد أنّها ستصبح كاتبة في البداية، أصبحت كُل شيء، إلا أن تكون مجموعة كاتبة، تخلوا عنها، فتخلت عنهم هيَ أيضاً، بعضهم حاول البقاء، إلا أنّه مُشتت لا يعرف مجاله الحقيقي في عالم الكتابة، وهذا الأمر أحزنني كثيراً، رغم أنني أكتب إلى الآن، ولكن رغبتي باكتشاف كُتّاب جُدد كبيرة جداً، فالكُتّاب الجُدد يأتون دائماً بأفكار مجنونة، ويُحضرون معهم رغبات كبيرة وعطاء كبير يُمكنه تغيير لحظة يأس، هُم لا يمتلكون فكرة عن الاحباط، هُم يحملون الشغف في حياتهم بشكل استثنائي.

 عبر التجارب السابقة تعلّمت أن التمرين المستمر هو أقسى أنواع التمارين ولكنّه أعظم نوع يعطي نتائج عظيمة، حتّى في عالم الكتابة، لولا التمارين التي يمارسها الكُتّاب باستمرار لما رأينا تطوّراً حقيقياً في أساليبهم، في لغتهم، في قوّة الحبكة التي توصل رسائلهم المدفونة، شخصياً أحرص دوماً على انتقاء مُعلّم مُذهل في عالم الكتابة، وأحياناً لا أحتاج للالتقاء به، فقط أفتح كتاباً كتبه، وأحلل طريقة عرضه، وأسباب الجمال والقوة التي كتب فيها، فالمُدرّب غالباً ما يكون هوَ السبب في التطوّر، وفي عالم الكتابة، المُدرّب هوَ الكاتب الذي يقدّم لنا تجربته بشكلٍ ما، وأحد هذه الأشكال، قراءة كتاب كتبه هوَ.

 الحُب أحياناً لا يكفي في عالم الكتابة، بل هُناك أمور أخرى تُسانده، منها .. الاحساس المسؤولية.