كانت آخر مقالة تنتسب إلي في شهر محرم، ولم أقدم على كتابة مقالات جديدة. أحسست أني بحاجة إلى موقف، قدرٌ ينشلني فيحرك غريزتي الكتابية، لطالما كانت أُولى أهدافي.
بدأ الفصل الثاني من الجامعة، ولم يكن سوى أيام قليلة تحيطني كـروتين معتاد..
استيقظ..، أتوضأ..، أتناول الفطور، المحاضرة والاستماع لدكتور المحاضرة، الصلاة….
روتين.. روتين.. روتين..
هذا الروتين لا أحبه..، انتظار الصديقات في دس حشوة كبيرة من النميمة عن هذه وذاك، أكره الخلوة بمثل تلك الصديقات، لأنني أعلم كم هي نفسي أمارة بالسوء.
فكسرت كل هذه الموازين لأشتري كتاباً من معرض الكتب القائم في جامعتي، و بدأت بالقراءة. كنت أقرأ الرواية في صمت رهيب، وكأنني في غرفة مغلقة لوحدي، وجدت نفسي أبتعد عني كثيراً، أنسى من أنا، وأين أنا، فسرعان ما تنتهي الصفحة لأقلبها.

وقتذاك.. أمامي شاب و صديقهُ، كان كبقية الشباب، يمسك بيد صديقه ويضحك.
أكملت القراءة ولم أهتم..
وانتهت الصفحة لأقلب الأخرى، حتى رأيت الشابين، أحدهم أعمى يسند نفسه على يد صديقه، أحسست بكهرباء ثائرة في أطرافي..
فسمعت الشاب الضرير يقول:” لو كنت مبصراً، كيف ستكون ملامحك يا صديقي؟”.
أحسست بقرصة في قلبي، قَرصة نحلة، طرقة مطرقة، دهس أقلام رصاص، شيء يماثل ذلك. أحسست بتوتر صديقه و حزنه، على ذلك ضحك وقال:” الحمدالله، فأنا قبيح جداً لا أودك أن ترى القبح”.
شيء لا أفهمه، لماذا الإشارات تأتي إلينا حتى تقف أمام أصابع أرجلنا؟
لماذا تعلمنا الحياة بمواقف غريبة مثل هذه؟
أيعقل أن الصديقين لم يجدوا مكاناً غير أمام طاولتي التي أجلس عليها؟
هي إشارات.. إشارات..
تعلمنا كم نحن بخير، كم نحن في نعمة جليلة.

أحسست أني أدين للروتين.. للحياة.. للصلاة.. للقراءة.. للناس.. للأصدقاء..

فقلت في سِري: “لك الحمد يا الله”.