سرد

صلصال الأخيلة ٣

أُمومة :

تخيلت اليوم أن لي طفلا .
طفل جميل صغير في الثانية ، أو الثالثة ، خفيف الظل ، يثرثر بلذة الأحرف الذائبة ، تُضحكني دهشاته الطازجة تجاه الأشياء ، يندس قربي في وحدة المرض فأحكي له قصصا و أمسد شعره .
أو ربما أصبح لأجله معافاة ، و أجد سببا يرغمني على المكافحة و محاربة الوحش .
طفل سأسميه ، و أُدلـِّلُه ، و أوجهه ، و أحبه جدا ، و أختار له تلك الثياب التي تُزيغ القلب ، و الأحذية الصغيرة الفاتنة ، المهم أنه طفلي الحبيب الذي لن أحظى به إلا في خفقة التخييل.
يقولون أن الأمومة فطرة في الأنثى ،تومض فكرتها ابتداء في مستهلات وعيها ، أو ربما ما قبل ذلك ، تجد الطفلة أمومتها بتمشيط شعر دميتها و هي تحشد أطياف الحنان في أعماقها لتقدمه طريا للحظة المنتظرة ،لكن ذلك لم يكن ما يحدث معي. كنت الأخت الوسطى بين فاطمة و حسناء ، فلم أحمل حنان الكبرى ، و لم أُترف بتدلل الصغرى ، و في تحولات ظروف أسرتنا لم يكن خاطر الأمومة يطرأ لي .لا أتذكر أني كنت أجن من بسمة الأطفال مثل ما ينتاب الصديقات و بنات الخالات ، و لا كانت تُسكرني كركرتهم ، و لا أتذكر أني توسّلت مرة لأم ما كي أحمل طفلها و أناغيه أو ألاعبه ، و إن طلبت مني إحداهن أن أنظف ولدها أو أزيل بقايا الطعام من فمه أو أبدل شيئا من ثيابه كنت أمتلئ بالسخط و القرف ، حتى في مساحات اللعب و المقتنيات الشخصية لم تكن دمى الفتيات الجميلات من ضمنها ، أتذكر أني كنت أحب الدبب المحشوة ، و مجسمات السنافر الزرقاء الصغيرة ، حتى عندما حاولت التماشي مع الذوق الدارج لجيلي و اقتنيت لعبة ” فلة ” المقلدة لـ باربي كان ذلك لحظيا و مُتكلفا . أكنتُ غائبة في تفاصيل توضيب حياتنا ؟ هل شتتني عن تلك العاطفة انتقالنا من منزلنا الكبير إلى غرفتين في منزل جدي لأمي بعد زواج أبي بـ نجاة ؟ أم انتقالنا أخيرا إلى شقة مريحة في عمارة حديثة ؟ هل توّهني انغماسي في الدراسة و التحصيل ؟
ربما نعم ، و ربما لا .
أفكر ، ربما كان منزل جدي السبب ، اكتظاظ المكان بأطفال الأخوال ، و استمرار اللعب و الإزعاج ، هل رسمت تلك العشوائية صورة الطفل المزعج الممتلئ الغيار ، الذي يركل باب غرفتي و يعبث بحاجياتي و يلعب بالألعاب الإلكترونية في هاتفي و الذي سأمنعه طبعا من كل تلك الأمور فيبكي لتأتي أمي و أمه لتوبيخي؟ !
ربما نعم و ربما لا ..
قد تكون الحكايا النائمة في صناديق الذاكرة سر نفوري ، نفوري السحيق أعني ، أو المستعار ، لأني و بعد كل هذا الوقت أتوق لنبضة الأمومة ، و أستعيد في المخيلة – بتكرار – صورة الأم التي أحب أن أكونها ، صورة أمي تماما .
حين كنت أتشاجر مع أختيّ ، كانت تجمعنا أمي ، و تطلب إلينا أن نحتمل بعضنا و نسعى بكل ما نملك لإنجاح أخوتنا ، كانت تقول بعد شجارنا :
” فقط لأختك .. صيري مسمارا.. لا يزيدك الطرق على رأسك إلا ثباتا و تثبيتا لإطار الأخوة ! ”
و كنت أسخر ، بينما تضحك فاطمة ، و تصمت حسناء .
مرة ، بحثت عن عطري المفضل ، فتشت عنه في كل الأدراج و الخزانات والأماكن المحتملة ، و لما لم أجده ، سعيت إلى صالة المعيشة لأسأل أمي ، كانت حينها في بواكير إصابتها بالمرض ، قوية و ممسكة بزمام الأمور .
هزت رأسها : لا أدري .
بدأ الغضب يمشي على جلدي ، و يقودني لغرفة حسناء التي كان قد عُقد قرانها قبل أسبوع واحد آنذاك ، و قد صدق حدسي فرأيت زجاجة العطر نائمة على طرف سريرها بغطاء منزوع ، زممت شفتي .
صرخت من مكاني :
” أين حسناء؟ ”
فأتاني صوت أمي البعيد:
” في مركز التجميل”
أخذت هاتفي لأبعث لها كل حنقي في رسالة ، أكان حنقي على عدم احترامها لخصوصيتي و حاجياتي ، أم على هدرها لعطري المفضل .. أم كنتُ غضبَى على نفسي !
تصغرني حسناء بخمس سنوات ، و قد أنهت في ذلك الشهر دراستها الثانوية ، و كنت أستعيد بزواجها كل غصص طلاقي الذي أكل من راحتي ثلاث سنوات .
لما عادت ، ضاحكة العين ، هانئة المحيّا ،سألتها بصوت مهزوز :
” لماذا أخذت العطر ؟”
و يبدو أن انشغالها باللون الجديد لشعرها غيبها عن لون اللوم في صوتي فقالت :
” كنت أود تجربته و نسيت إخبارك ”
ارتفع صوتي :
” جميل جدا .. أخلاق عالية من الملتزمين ”
بدت حينها حساسة جدا ، هشة ، فردت مُتأتئة :
” نتشارك حاجياتنا دائما .. مالذي تغير ؟ ”
صرختُ :
” ليس من حقك .. و لن أسمح لك ، و لا تكرريها ”
ارتعشت شفتها السفلى و التمعت عيناها ، فقلت هازئة :
” و الآن… أنت من تبكي ؟! ”
صمتت ، و لم أكن قد أفرغت ذخيرة غضبي ، شيء ما كان ينفخ في أوصالي فيزداد أواري ، قلت :
” مات الاحترام !”
فردت أمي :
” عبير.. مرري الأمور على خير ، ليست قضية كبرى ”
و سَعَلت .
لم تنظر حسناء إلي ، لكنها استدارت إلى غرفتها و قالت لي :
” آسفة ”
أتخيل الآن أني رددت عليها و قلت لها : أنا آسفة أيضا يا أختي الحلوة ، يا عروسي الجميلة ، يا حسنائي البهية ، آسفة لأني أواجه الآن مرايا الروح ، و أفهم من خلال عناء المرض الذي يُجلي الصور أني كنت في تلك اللحظة أحسدك ، آسفة لكل ذلك الشجار الرمادي ، و لسعال أمي ، و لأني لم أعرف – حينها – كيفية أن أكون مسمارا كما ينبغي .آسفة لأني حصرت السعادة في الذات ، و لم أتعرف على لذة جمالها في تجارب الغير ، و لم أقدر أن أقطف ثمر الفرح من حدائق أعينهم .
فهل مكنتني تجربة المرض من ذلك ؟
لا أريد أن أعظّم الأمر أو أموّهه ، و لا أن أجعله خارقا ، ففي المحصلة هذه فضاءاتي الحقيقة الناصعة التي لا يشاركني فيها أحد ، هذه أنا تماما بلا رتوش وبالطبع لن أخدع ذاتي حاليا على الأقل ،ففي العام الماضي و حين رُزقت فاطمة برضيعتها و حملتها في يوم ميلادها بين يدي ذقت معنى السعادة المحررة ، الشهية ، الخفيفة ، الوليدة من أم الجمال المحض ، النافذة من قيد الذات ، تلك التي تأتيك طوعا ، غير مشروطة و لا مقننة .
بالفعل ، حملتها ، شممت رأسها ، غمرتني فرحة كأم لن تأسى بعد رؤية هذا الوجه الحبيب على أعضائها المستأصلة .
المثير في الأمر أن كائنات خيالي لا تتشكل لغيري ، لكني أعرف و أدرك أنها تصل للمعنيين و تمس بؤر أرواحهم بصورة ما ، كيف ذلك ؟ لا أدري ، رغم أني أوقن أنه حاصل .
هل ترى أختاي الآن معي كائنات خيالي ؟ هل  يمر عليهما شريط الصور مثلي ؟ هل تفهمان تحولاتي ، كيف أُمحى و أظهر ، أتمدد و أنكمش ، أبرد و أدفأ ؟هل تخمنان تفاصيل الخيال كخيار مفهوم لعجزي .
الخيال خاء ، و الخلق خاء ، أنا في خيالي أخلق حيواتي ، أنا هنا أم طيبة .
و على هذا السرير الصديق ، صرت أتلقى الأمور بسكون ، و أجد منافذ للفرحة ، تغامر بي – رغم الحياد – منعطفات الحياة ، أملك التبدلات و التحولات ولذة التغيير ، فهنالك يوم ” غريس ” المتعب و هنالك يوم كبيرة الممرضات السمراء الطيبة ، وهنالك أيام الجرعات الكيميائية الحارقة ، و هنالك أيام الخَدر المريح .
و الآن توقظني من خيالي طرقات فاطمة ، التي تأتي عجلى ، تفتح الستائر ، و تنادي عاملة التنظيف لتزيل أكياس القمامة .
أسألها :
” أين أطفالك ؟ ”
تجيب :
” في البيت ، مناعتك ضعيفة و لديهم نوبة برد ”
أفهم ذلك ، فاطمة تخشى عليّ ، على مناعتي المنسحبة ، فاطمة أم متسعة ..
فلكل شيء أم ، الذاكرة أم الوجع و أم الفرح أيضا ، و المخيلة أم الصور ، و هذه الحياة رغم كل أشيائها النابضة والمتألقة و المتحركة و المدببة و المفجعة و الصامتة و الناطقة .. هي أم الموت .