عامة

صباحُهم

كيفَ يبدأُ يومهم؟
أمثلنا؟ على صوت موسيقى
بمداعبة خيوط الشمس لوجناتهم
أو ربّما بازعاج إخوانهم/أبنائهم.
لا لا.. صباحاتُهم مختلفة
فريدة.

بداياتُهم مختلفة. مختلفة جدًا
وكأنها من عالمٍ آخر.
فجرهُم يأتي إليهم بطعم الليل
بطعم السّواد.. الظلام.. والخوف.
تتقدمُ الشمسُ مرتعبة.. تقف خلف القمر.
“احمِني. إنني أخافُ أن أُفجّر.
أو أن أموت بطلقةٍ ناريّة”
عندهم فقط. حتى الطفلُ أشجع من الشمس.

يستيقظون على نشاز الأسلحة بجانب نوافذهم، على صوت احتضار الحياة. يغسلون وجوههم، ويغتسلون غسل الشهادة، يكونون على كامل الاستعداد للرحيل. يأكلون مع وجبة الإفطار صبراً. يتجرّعون الرِضا والإيمان كي يواجهوا ما هو خارج باب الدار. يحرق الصغير خربشاته ورسوماته، يدسّ وصيّته بين لُعَبه. “غرفتي ستكون لأختي الصغيرة. أخي، أنا الذي سرق السّكاكر من حقيبتك. إنهم تحت سريري، خُذهم. لن أستطيع تذوقهم فأنا في قبري.”
الأب يحمل مع أوراق عمله صوراً لصغاره، صوراً لحياتهم. يُشبع عينيه برؤية محيّاهم كي لا يشتاق بسرعة.. كي يستطيع تذكرهم عندما لا يوجد أمام عينيه سوى التراب. أمه/زوجته/أخته تضمّه بشدّة، تكاد تبتلعه إلى قلبها. توسّد ما تستطيع منه بين ضلوعها، ثمّ تترك الباقي للرحيل. تشمّ نحره، تقبّله، تمسك يديه وتكلمه. “أنا أحبك. أحبك جدًا. لا ترحل.” تسرقُ عطره وتغرق البيت فيه. إنه موجودٌ وإن رحل.
الصبح لديهم مليئٌ بالفقد والبكاء والثكل وأكثر من ذلك. مليئٌ بالدّفن والعزاء. أذانُهم صوت أمهاتٍ متألّمات. “حيّ على الافتجاع”، يصلّون فرائضهم.. بالإضافة إلى صلاة الوحشة.. الفريضة السادسة لديهم. المقابر صارت منازلهم.. وصارت منازلهم مقابر. يدخلُ الانسان الدّار.. يشعُر بريحٍ زمهريرٍ تُصيبه. ريحُ الفقدان. الأب هنا مفقود. الأخ معتقل. العمّ شهيد. الابنُ خائف. الأم ثكلى. الأخت مفجوعة. والإنسانُ ضائع.

هذا الصُبح.. يحدث يومياً في مكانٍ ما.