وانعطفت القافلة المحملة بالياسمين تاركة وراءها آلاف الدموع المتوارية. أعدّت الهوادج الملكوتية إلى الصعود، إلى الرحلة التي لا تزداد عامًا بعد عام إلا اتساعًا وعمقًا واحمرارًا. تجمهر الناس قال بعضهم: إلى أين يا حفيد الحقيقة؟ وآخرون دنو ثم نادوا: خذنا معك أنت من توفي لنا الكيل. أما الباقون فعاد منهم من عاد خائبًا يتخبط في المكان والزمان. رفعت الراية التي تحمل في لونها الأخضر رائحة عطر رسىول الله وبدأ المسير.

في أرض القادسية أُعترضت القافلة، كان الحرُّ يُملي قرارت المنع، لا عودة للحجاز ولا دخول للكوفة، وحدها كربلاء كانت مفتوحة باسطةً صدرها المُتسّكر لكلّ معاني الوجود . اصطفقت الهوادج في بعضها البعض فاضظربت القلوب واختنقت الصدور بالخوف، النياق لم تبرح الأرض إلا بصوت الحاذي إلى كربلاء سننتهي إلى كربلاء.

إنَّ قدام مطاياهم مناياهم تسير، لقد توقَّف فرس الحسين، ولِعلّة المصير أبت كل الجياد بعده أن تسير، هنا سُيكتب الخلود، وهنا ستُفتتحُ حكاية العشق الحسينية، الساعة الثكلى اقتربت.

بعد ليالٍ من التسبيح والوصايا والوداع، أُطفت السراج كانت الآذان تترقب الخطاب بعد أن ذُبحت الرؤيا، وجاء النداء اتخذوا اللّيل طريقًا وخذوا بالأيدي ولا يلتفت منكم أحد للنهاية، كلّ هذا الجمع لي فما ذنبكم أنتم؟ إذهبوا ورممُ حياتكم بعيد عن الإحمرار. فجأةً استولى الصمت على المكان، وبدأ عشرات الرجال في الانسحاب، ثمَّ تضاعفت الأعداد ضياعًا في الظلام، وحين أُمرَ بإشعال السراج لتتضحَ الأعين التي أبت الظلمة أن تنزع منها رؤية وجه الحسين، بدأت الأصوات بالتحرر نحن معك لن نبرح هذه الأرض إلا وأنا أمامنا، لو قُتلنا وحرقنا وبعثر رمادنا وفعل ذلك بنا ألف مرة لن نفارقك يا ابن رسول الله.

الشمس ما طلعت إلا والأنصار يحطيون بالهواشم، والهواشم يحيطون بالحسين، الدوائر اكتملت، وحُفرت الخنادق، وأخذت القافلة المحملة بالياسمين شكل قلب موجع. أما الراية الخضراء فأخذت تتأمل وجه قمر العشيرة بينما كان يناغيها باسم الحسين، النهر يراقب المشهد مُرتبكًا، والشمس تُحملق في النهر ، وتفكر كيف سيرتبط النهر في القمر ليكتبا حكاية السُقيا.

وحين انجلى الغبارُ المُرتجفُ بين الكربِ والبلاء، اختزلتِ الرماحُ ألفَ روايةٍ لساعةٍ ضيّعت جهاتها الكونيّة، ثمَّ ركضت في شساعةِ التأويل تبحثُ عن أنفاسها. وبين جراحاتٍ ما زلت مفتوحةً أمامَ الغيبِ توقَّف الصدى يجرُّ أنفاسًا ما زالت مملوءةً بالهلعِ والتراب. المشهدُ الذي انتهى. لم ينتهِ بل ما زال يكرّرُ انكسارَ الظِلال في وجهِ شمسٍ استحوذَ عليها الإرتباك فأشرقت، وأغربت وسطَ ذهولٍ وجودي. الحزنُ يذرفُ معناه وسطَ فجاجةٍ تُهيبُ سردًا واقعيًا لكلّ أشكالِ التخبّط في المكان.

جاء اللّيلُ مُتباطئًا، عاجزًا عن إخفاء حقيقة الحرائقِ والتشتّت، اليتامى أنينٌ يلوذ بعباءةٍ رفضت أنْ تخلْعَ اليقين وراحت تؤثثُ لكلّ اللّيالي صلاةً خلّدها التعب.

تجسّد الوجود كلُّ الوجودِ في دمعةٍ أوجعها ظرفُ
الغربةٍ وسط صحراءٍ متعبةٍ من الخطى ومن النِزال.

الأمتار مرتبكةٌ في قياس المسافة بين رضيعٍ مخضبٍ بالعطش والدماء وبين نهرٍ رأى وجه التفاني ففقد مذْاك تركيبة الإرتواء.

ما بين “أولسنا على الحق” وبين شهقة “قد برز إليكم” تعطّلت بلاغة اللّغات. وما بين “لا ندعك”
وبين “لا أعلمُ أصحابًا” أعيد تشكيل الزمان وأُبرمت ساعةُ {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}