بأصابع التّوق ترسمُك
على خارطة الظعن،
تبكيك.
تطحنُ قمح الجَوى،
تقلب الأكوان، تديرُ الرحى..
“أبة”..
تتّبَّعُ ببنانِها رِحلتَك،
ترسلُ الوداعيّات، الخوف،
والولهى.
تحفرُ تلك اللحظات على جِدار الرّوح
كي تبقى.. بقاءَ الأزل
على جسدِها الهزيل.
تبحثُ عن فُتاتِ عائلة..
عن حديث: قالت.. وقائلة.
حديثُ “قد رجعَ أباها”
خبرُ “ظعنُ آل أحمد قادم”
ولكن.. لا عائلة ولا أخبار.
تجوبُ أصقاع الروح
تندهُ على الحاء..
حاء الحب، حاء الحنان، حاء الـ .. أب.
ناءٍ ذاك الحرف..
كتلاقٍ مستحيل، كشفاءٍ من علّة الوجد
الصوتُ يزحفُ على جنادل البُعد..
يأتي، مخدوشاً
يصبّ الدمُ من.. كلّه!
تلفيها رائحة الحنين، رائحة الضمّة والوداع الأخير..
“أبة”..
تقفُ على شاطئ الفراق..
تنظر بالأفق للـ”لا عودة، لا اقتران”
تأتي بما تبقى من دنياها..
تعيشُها دمعةً تلوَ دمعة.
تصيرُ حبيسة البكاء.
حبيسة الفقد.
تخلقُ بحراً بماء أحزانها،
تغرق به.
تطوي الدُروب، تتجلى بشعور الـ”ابنتك”
تتّجه نحوَ ذاك الذي رحَل.. ووقّع مع الإباء وثيقة
وثيقة الـ”العيالُ والنفس فداءً للإسلام”..
والرّوح الوحيدةُ هنا يا أباها؟
الروح العالقة في زمن العلّة..
ألا تفتديك؟
أتبقى تصارع فقدكَ كلّ ليلة؟ وعلّتها كلّ صباح؟
تعال.. اغسلها بدمِك، خذها مع بنيكَ وصحبِك.
لا تدعها وحيدةً هُنا، أنيابُ الدُّنيا تصطكُّ على طفولتها، تنهشُها.
الأيّام تبتلعُها، تتلاشى بين الدقائق والساعات،
تُصبح -ماضٍ- هزيلٍ مَرصوفٍ على جنب مسيرة الزمن. تنتظرُ الأحبّة..
تزرعُ الريحان، يذبلُ..
ولم تبزُغ شمسهم.. وما ذبلَ انتظارها.
الدارُ موحشة، تُفزعها كغيهب.. كمَوت.
صوتهم يترددُ في الفناء، بكائياتُ الرضيع تُؤرقها ليلاً، يدكَ تجلي وجعها..
ولكن ليس هذا بالمؤلم..
المؤلم هو أن كلّ تلكَ الأصوات، الخطوات، الأيدي،
كلّ هذا هو هيَ! هي أخوها، أبوها، أهلها.
صارت ربيبةً للوهم، تعيشُ أيّاماً سالفةً في حاضرها،
تُصبّر قلبها المكلوم بماضٍ لن يعود.
عُد أنتَ يا أباها، هَبها الحاضر والمُستقبل
أتمِم قصة البارح، خُذها إليك.