سؤالٌ يا والدي، سؤالٌ وحيدٌ مُفرَد، تتحكّمُ إجابتُه بنبضِ فؤادي..
أينَ استقرّت بكُمِ النّوى..؟
كم أتمنى أنّكم ما زلتُم عند بابِ المدينة، أن يكونَ بكاء الرّضيع اللّا منقطع قد أخّر مسيرَكُم..
لقد تعلّق بردائي يا أبي، لولا أن منعه المهدُ لشقّ ثوبي من شدّة تمسّكه .. أما تستطيعُ أن تتركه -ولو سهواً- كي يُؤنِسَ علّتي؟
/
لا تزالُ نعومةُ بنانه مطبوعةً على عُنقي، محفورةً فيه..
إنّها مؤلمةٌ يا أبي، أشعرُ بروحيَ تنزفُ من موضعِ يده الصغيرة.. أخذت سُكينةَ وسَكينتي، والأكبر وعُمري، وعمّي وأماني، وأمّي ومأواي، أخَذتَ نفسَكَ منّي -يا نَفسي-، ألا ترضى أن تتركَ الرّضيعَ معي، أن تُبقِ لي مَن أشتمّ نحرهُ أنّى اشتقتُكم، مَن ألثمُ خدّه الطريّ متى لفاني التّوقُ لحنانكم..؟
أعتذرُ على سؤالي هذا، ما كُنت أدري أنّ للخدّ هذا قصةَ ضمورٍ ما خُطّت بعد، قصّةً تسلبهُ حياته.
/
تُهدّ السّماواتُ ليلاً بصوتِ بُكائيّاته البعيدة، المدينةُ سكونٌ يا والدي، ولكنّها في أُذني مُكتظةٌ ببكاء أخي، تنطوي الأرضُ كي توصلَ ليَ صوتَه، تُروّيني إيّاه أنفاساً قبل أن يُبحّ عطشاً ويتلاشى.. قبل أن يصيرَ عنقُه مهداً للسّهم..
/
أهوِّدُ زوايا الدّار أن نامي.. كلّنا واللهِ مُشتاقون..
والمهدُ يبكيهِ ليلاً، أأُصلّي صلاة الوحشةِ لمهدِه؟ أناغيهِ وهو لا يحملُ سوى طيفه.. أناغيهِ كي لا تتداعى الدّنيا بما فيها من شدّة ما نشعُر مِن لهفة..
/
“ما مِن روحٍ في الدّار سِواكِ، قد رحلَ الأهلُ يا فاطمة، فوَلّي وجهكِ شَطر أرضِ بلائكُم، وانعي وحشَة دُنياكِ بعدهم.”