‏”لن ترتوي ما لم تعرف سبب عطشك، فقد يموت من الظمأ من يجاور البحر الفسيح”

– حجي جابر.

إن الإنسان وبطبيعة الحال.. يعيش التعطش إلى بلوغ أمرٍ ما في سعيه. كتعطشه إلى بلوغ المعرفة، تعطّشه إلى بلوغ الحكمة، تعطشه إلى بلوغ قيمة ما، قيمة تكمله، قيمة تصحح القيم الخاطئة التي تكمن في داخله، في وجوده، قيمة تحقق ذاته وتعطي معنىً لوجوده.

بدايةً،

لماذا نطلق على هذا الأمر بالـ”تعطّش”؟

‏إن التعطّش في اللغة يعني: “الميل الشديد نحو الشيء والرغبة فيه” أي تمسك الإنسان وإصراره على بلوغ قيمة ما، فتعطّشهُ لأمر، يعني شدة الرغبة فيه.

‏فكما أن الزرع يتعطّش إلى الماء لأجل أن ينمو ويعيش، فالإنسان أيضاً يتعطّش إلى القيمة والبلوغ اللذان يحققان بهِ عنصر الحياة ويحققان لوجوده المعنى والغاية.

‏إن الإنسان بطبعه يحتاج بأن يرتبط بكمالٍ مطلق، لأجل أن يبلغَ كماله. كمالٌ مطلق يخلق المعنى الذي يعيش الإنسان قهر الخلو منه في كل لحظة، يشعر الإنسان بعدمه، بإقفارهِ وتجرده.

لو دققنا قليلاً..

إن كل “تعطّشٍ”، لو أننا أبحرنا في عمقه وأزلنا عنه حجبه وموانعه فسندرك عندها بأنه يعود إلى الأمر نفسه، والغاية نفسها، سندرك بأن حقيقته هي بلوغ أمر حقيقي، قيمة حقيقية، ترفعهُ وتكسبهُ معنىً ودنواً من الله تعالى. إنما كل هذه الموانع هي عثرة تقيد الوعي بمجانبة البحر الفسيح. الذي لو اغترف المرء منه غُرفة، لأحيته، وخلقت بهِ بداية السعي وتحقيق غاية الوجود. سأضرب مثالاً لذلك:

فمثلاً، لو أنهُ وُجِدَ شخصاً لديه تعطش شديد للسرقة،  ‏فإن هذا الشخص لو استطاع أن يخلص هذا المانع عن تعطشه، لأدرك عدم حاجته إلى اكتساب ذرةٍ واحدةٍ عن طريق هذا الفعل السيء، وسيدرك حتماً بأن تعطشه الحقيقي هو أن يحصل على حياة مستقرة، لا أن يسرق.إذاً، كيف للحياة المستقرة أن تتحقق من عند هذا المنطلق؟

من خلال أنه سيسعى للتعلم، للعمل، لأنه عندما يسعى للتعلم والعمل ستُصحح قيمة ما في نفسه ‏وهذه القيمة إذا صُحِحت، من الممكن بأن تتبعها سلامة قيم كثيرة من بعدها إذا كان هذا الإنسان حقاً.. قد أصبح إنساناً واعياً، وأزالَ غبار الجهل عن وعيه.‏ معرفة سبب التعطش الحقيقي، تصحح شكل الحياة التي يعيشها الإنسان، تربيها. وتعطشنا للأمور الخاطئة، والأمور الي تُنقص من قيمنا وتمتهن شكل الحياة التي نعيشها :

‏فالتعطش للسرقة هو تعطش الإنسان للاستقرار.

‏والتعطش للغش هو تعطش الإنسان للنجاح.

‏والتعطش للكذب هو تعطش الإنسان للنجاة.

‏لذلك يجب علينا أن ندرك غاية تعطشنا، أن ندرك سبيل تربيتنا، أن ندرك سبيل صقل أنفسنا. ‏فلن يرتوي الإنسان مهما سرق، ومهما كذب، ومهما غش، لماذا؟ لأنه لا يزال لم يدرك سبب تعطشه الحقيقي، وقصد الطريق الأسهل والأردى.

‏إن علةَ تحريم الله لمثل هذه الأمور أو التقليل من شأن قيمة بعض الأمور هو سبب لتربية الإنسان وتزكيته، سبب لرفع وعيه وتوسعة مداركه وأفاقه، إن الله لطيف وحبيب جداً، لذلك أراد لنا أن نرتقي ونتعطّش للأشياء التي ستخلق قيمة حقيقية بنا وستحقق ارتباطنا به وهو الكمال المطلق.

‏ الرسالة هنا :

‏متى ما غرسنا في أنفسنا بذرة التعطش الحقيقية، ورويناها ورعيناها فسنستطيع أن نحقق قيمة من وجودنا. وسنستطيع من خلال هذا التدرج أن نبلغ ارتباط عظيم جداً وأن نصل للكمال الذي يتحقق بالارتباط بالكمال المطلق وهو كمال الله عز وجل.

‏ومتى ما أدركنا الحقيقة وراء تعطشنا، وخلصناها من كل شائبة، فسيعم السلام والخير والحب.