عامة

اختيار التسامي : قراءة في نص موت رحيم لـ محمد الصفار

اختيار التسامي
ما شدني في قصيدة ( موت رحيم ) للشاعر محمد الصفار
.
.
عندما قرأت قصيدة ” موت رحيم ” للشاعر محمد الصفار لفتني فيها التركيز أولا ثم امتداد المعنى ، فالقصيدة معدودة الأبيات لكنها تفضي إلى معابر متسعة للفكرة .
و لأني أشعر بالانتماء لعالم القصة ، و لأن القصة القصيرة جدا صار لها موقع مؤثر في عالم السرد ، أحسست حين قراءتي لـ موت رحيم بأني أشهد فن ” الومضة الشعرية ” بتقديم ذكي و جميل .
.
.
فماذا يريد أن يومض الشاعر في تلقينا يا ترى ؟

١/ العنوان :
موت رحيم هو عنوان القصيدة ، و ربما يُفضي المعنى إلى الموت الاختياري ، خصوصا و أن القصيدة طعمت بـمفردة الشهيد ، أو ربما هذا ما ألقته في وعيي :

” و كأنني بيد الشهيد بداخلي
تمشي و تقترح الأصابع نخلا ”

فالشهيد هنا يضخ الفكرة داخل الشاعر ، ويحيل الأصابع ( أداة الكتابة ) إلى نخيل يطرح تمرا / غذاء / عطاء .
فهل الموت الرحيم هنا هو ظل لخيارات الشهداء و المضحين ؟ ربما

٢/ الاختيار : الحزم و الحسم :
لاحظت في الأبيات ميل نحو الاختيار بين أمرين ، فإما الولادة أو السقوط لأعلى ، و إما الإنتاج و العطاء و خلق الممكنات ( الإنجاب من البنت العقيمة ) أو الموت ، أجد في ذلك روح شاعر يعزم على رسم لوحته ذات الدلالات و خلق قصيدته ذات الرسالة أو الصمت المطلق ، و لعل ذلك ما عزز عندي فكره هدفية النص و نزوحه حول تقديم مفهوم العطاء كعنوان عريض .
يقول الشاعر :
” ‏مَوتٌ رحيمٌ
‏أمنياتٌ حُبلى
‏إمَّا الولادة..
‏أو سُقوطٌ أعلى

‏إمّا..
‏لَعلِّي أُنجِبُ المعنى مِنَ البِنتِ العَقيمَةِ
‏أوْ تموتُ لَعَلَّا”

فإما أن يولد نص مشرق ، ناطق ، متسع يقول الكثير ، أو أن يستمر الفكر في التعالي ، فـ الهبوط إلى الخيارات الدانية أمر مستبعد و مستحيل و الذات الشاعرة تطمح للعلو ، و لتصدير فكرة التسامي .

٣/ منجم التضاد :
اتكأ العديد من الشعراء على ثيمة التضاد في نتاجهم و كذلك الأدباء بصورة عامة ، بل إن هنالك بعض الأراء تفضي إلى أن الكون قائم على هذه الفكرة ، و تجنبا للخوض بمفهوم التضاد الشاسع جدا ، فإننا نتفق على أن التضاد في الصورة الشعرية يعزز جمالها و يجلي معناها و يخرجها من إطارها المصمت .
في هذه القصيدة الكثير من التضاد الملفت :
الموت الرحيم / الولادة
الأمنيات الحبلى / البنت العقيمة
السقوط لأعلى
جهة السراب / ظل الحقيقة
فم بلا صوت
هذه الصور الشعرية تظهر مقدرة الشاعر على الابتكار كما تعطي القارئ ملكة الخيال و التحليق بالنص إلى مناطق غير مقيدة .
يقول الشاعر :

‏”ضَبْحٌ مِنَ الجِهَةِ السرابِ يقولُ لي:
‏قُمْ واقتَبِسْ ظِلَّ الحقيقَةِ خَيْلَا”

ألا يُظهر النقيض حقيقة النقيض ؟ ألا يُبدي الصمت الموحش لذة الصوت المؤنس كما يبدي السكون المسالم بشاعة الضجيج ؟
الضد يتجلى بالضد ، و الشاعر أجاد استخدام هذه التقنية في نصه ، و طعّم الصورة الشعرية بمفردات متسقة و ذات دلالة ، فالضبح هو صوت عدو الخيل ، و هذا الضبح يرتفع من جهة السراب ليحرّض السامع للتوجه للحقيقة و اعتماد خيولها مركب للوصول .
الحقيقة كان هذا البيت أجمل مافي القصيدة ، و أجده ببساطة تلقييّ ومضة شعرية تامة .

أحببت انطباعات هذا النص ، و أجده من النصوص التي تزيد من عمق التجربة .